هذه الآية تستعمل كلمة"فاطر"في حديثها عن خالق السماوات والأرض ، وأصل"الفطر"و"الفطور"هو الشق ، يروى عن ابن عباس أنّه قال: ما عرفت معنى فاطر السماوات والأرض إِلاّ عندما رأيت أعرابيين يتنازعان على بئر قال أحدهما:"أنا فطرتها"أي أنا أحدثتها وأو جدتها.
ولكننا اليوم أقدر من ابن عباس على معرفة معنى"فاطر"بالإِستعانة بالعلوم الحديثة ، أنّه تعبير ينسجم مع أدق النظريات العلمية الحديثة عن تكون العالم ، لقد أظهرت دراسات العلماء أنّ العالم الكبير (الكون) والعالم الصغير (المنظومة الشمسية) كانت كلها كتلة واحدة تشققت على أثر الإِنفجارات المتتالية ، وتكونت المجرات والمنظومات والكرات ، وفي الآية (30) من سورة الأنبياء بيان أوضح لهذا الأمر: (أو لم ير الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) .
والنقطة الأُخرى التي ينبغي ألا نغفل عنها في هذه الآية هو أنّها تقتصر على توكيد إتصاف الله بإطعام مخلوقاته ورزقهم ، ولعل ذلك إِشارة إِلى أنّ أقوى حاجات الإِنسان في حياته المادية هي حاجته إِلى"لقمة العيش"كما يقال ، وهذه اللقمة هي التي تحمل الناس على الخضوع لأصحاب المال والقوّة ، وقد يصل خضوعهم لأُولئك حدّ العبودية ، ففي هذا يقرر القرآن رزق الناس بيد الله لا بيد هؤلاء ولا بيد الأصنام ، فأصحاب المال والقوّة هم أنفسهم محتاجون إِلى الطعام ، وأنّ الله هو وحده الذي يطعم الناس ولا يحتاج إِلى طعام.
وفي آيات أُخرى نرى القرآن يؤكّد مالكية الله ورازقيته بإنزال الأمطار وإِنبات النباتات ، وذلك لكي يزيل من أذهان البشر كلياً فكرة اعتمادهم على مخلوقات مثلهم.
ثمّ للردّ على أُولئك المشركين الذين كانوا يدعون رسول الله إِلى الإِنضمام إِليهم ، يؤكّد القرآن على ضرورة رفض دعوة هؤلاء إِنطلاقاً من مبدأ نهي الوحي الإِلهي عن ذلك ، إِضافة إِلى نهي العقل: (قل إِنّي أُمرت أن أكون أوّل من أسلم ولا تكونن من المشركين) .