أي: أَلَم يعلم هؤلاءَ المكذبون - بمعاينة الآثار، وسماع الأَخبار - كم أَهلكنا قبلهم من أَهل قرن: مكناهم في الأَرض ما لم نمكن لكم، حيث مَنَحْناهم الغِنَى والسعة والاقتدار على التعمير. فعمروا الأَرض، وبَنَوُا الحصون والقصور.
{وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} :
أَي وأَرسلنا عليهم السحاب يدر عليهم المطر الغزير، وجعلنا الأَنهار تجرى من تحت مساكنهم، وبين مزارعهم. فيستمتعون بحسن مرآها، وجماك جريانها، ولا يجدون صعوبة في الانتفاع بها.
{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} :
أَي فكان عاقبة أَمرهم: أن أهلكنا أهل كل قرن منهم، بسبب ذنوبهم التي كانوا يجتَرِحُونَها، وأوجدنا - من بعدهم - ناسا آخرين يصرون البلاد.
وفي هذه الآية وعيد لأهل مكة، بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة، من الإهلاك بكفرهم وذنوبهم، كما أُهلِك هؤلاءِ السابقون، ولم تغن عنهم قُوتَّهُمُ وتمكينهم شيئًا.
{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } .
المفردات:
{فِي قِرْطَاسٍ} : القرطاس؛ - بتثليث القاف، والكسر أشهر - ما يكتب فيه.
{فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} : اللمس؛ كالمس، إدراك الشئ بظاهر البشرة. وقد يستعمل بمعنى طلب الشئ والبحث عنه. والمراد هنا: الأَول.
{إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ} : أَي خداع وتمويه.
{لَقُضِيَ الْأَمْرُ} : أَي أَمرُ إِهْلاكهم.
{ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} : أَي لا يمهَلون طرفة عين.
{وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ} : من اللَّبْسِ وهو: الخَلط. تقول: لَبَس الحق بالباطل يلبسُه به.
أي خلطه به، حتى اشتبه على الناس.
التفسير