وثالثها - بالأنهار تجري من تحتهم؛ ولذلك قال تعالى: (وَجَعَبا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ) في التعبير بـ (جعل) معنى التحويل، أي حولنا أمطار السماء إلى أنهار تجري من تحتهم أي تحت سلطانهم يسيرون مجاريها كما يريدون، فكان الماء عندهم غدقا ولم يكن ذلك عند العرب، فبأي شيء يفترون ويستعلون، وماذا صنع سبحانه بهؤلاء؛ قال: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) .
الفاء هنا للتفصيل، والبيان بعد الإجمال، لقد أشار سبحانه إلى ما نزل بهم، وهنا يبين سبحانه أنه أهلكهم بسبب ذنوبهم، والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران:
أحدهما - أن الذنوب ذاتها تهلك أمما، إذ تشيع فيهم الترف والغرور والفساد في الأرض، وبذلك تنحل وتضمحل، وتذهب قوتها.
المظهر الثاني - إهلاك الله تعالى الأمم عقابا على أوزارها، وإن الأمم إذا هلكت بسبب فسادها، جاء جيل يصلح أمرها، ويزيل أسباب الفساد، ويجدد المتخرب، وهو الجيل الذي ينشئه الله على آثار المفسدين، وهو غير الجيل السابق؛ ولذلك كان التنكير وكان الوصف بـ (آخرين) .
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7)
كانت الآيات السابقة تبين إعراض الذين كفروا عن آيات الله تعالى، وهي المعجزات التي يأتي بها الأنبياء لإثبات أن رسالاتهم من عند الله سبحانه وتعالى، وأن المشركين يعرضون عن القرآن الكريم، ويطالبون بآيات أخرى ويحسبون أن المسوغ لكفرهم نقص فيها، لَا نقص فيهم بعدم الإذعان للحق، وأن الناس قسمان: قسم يذعن للحق إذا قامت بيناته، وهذا يكفيه ما اختاره الله سبحانه وتعالى دليلا على رسالة من بعثه الله تعالى؛ لأنهم طلاب حق يتعرفون دليله، ويذعنون إليه.
والقسم الثاني - استولت عليهم أهواؤهم وشهواتهم، وسدت مسالك النور في قلوبهم، فهم في لهو وإعراض، وهؤلاء لَا تزيدهم قوة الدليل إلا إصرارا، وهؤلاء لَا يذعنون للحق مهما تكن قوة الدليل، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: