تكررت المعاهدات والمواثيق مع بني إسرائيل ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل به، وكل هذا يتناسب مع ما بدئت به سورة المائدة: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.
ولكن اليهود أعداء الله والإنسانية نقضوا العهود والمواثيق، وقابلوا الرسل إما بالتكذيب والصد والإعراض، وإما بالقتل، فقد كذبوا عيسى وغيره من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء.
وظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد، اغترارا بقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة 5/ 18] .
وإنما اغتروا بطول الإمهال، فعموا عن الهدى، وصموا عن سماع الحق لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. ثم تاب الله عليهم بعد الاختبار، وكشف عنهم الغمة والكربة، وصيرهم أحرارا بعد أن كانوا أسرى مستعبدين.
ثم فسدوا وعصوا، وعمي كثير منهم وصمّ بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولم يتعظوا بشيء أبدا من المواعظ، وأعرضوا عن سماع الحجج والبينات، أي الآيات والبراهين الدالة على الحق والصواب.
وهكذا يترنح اليهود بين التوبة والعصيان، وبين الإنقاذ والتعرض للدمار والهلاك، وأكثرهم الفاسقون، والقليل منهم الطائعون. ولن يجد الإنسان في التاريخ شعبا أكثر تعقيدا، وأسوأ طبعا، وأكثر اضطرابا وقلقا من اليهود. لذا تجدهم دائما في مخاوف وحذر، ولن يهدأ لهم بال، ولن ينعموا على مدى الدهر بالاستقرار والاطمئنان، والمثال في فلسطين بالرغم من إقامة دولتهم واضح لكل إنسان. انتهى انتهى {التفسير المنير، للزحيلي. 6/} ...