{ثُمَّ عَمُوا} عن إبصار الحق {وَصَمُّوا} عن سماعه مرة أخرى، وعادوا إلى ظلمهم وفسادهم في الأرض، وقتلوا الأنبياء بغير حق، فقتلوا زكريا ويحيى، وأرادوا قتل عيسى عليه السلام، فسلط الله عليهم الفرس، ثم الروم، فأزالوا ملكهم واستقلالهم، ففعلوا بهم ما فعلوا. وفي قوله: {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} إشارة إلى أن عمى البصيرة والصمم عن المواعظ لم يكن للجميع بل كان للكثير منهم، والله تعالى يعاقب الأمم بذنوبها إذا كثرت وشاعت فيها، إذ العبرة بالغالب لا بالأقل النادر الذي لا يؤثر في صلاح ولا فساد ومن ثُمّ قال تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} . وقرأ النخعي وابن وثاب بضم العين والصاد في (عموا وصموا) وتخفيف الميم من عموا، إجراءًا لهما مجرى زكم الرجل ونحوه من الأفعال المبنية للمفعول لفظًا لا معنى، أو على أنَّ المعنى: إنَّ الله عماهم وصمهم؛ أي: رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل، واللغة الفاشية أعمى وأصم ذكره"البيضاوي". وقرأ ابن أبي عبلة: (كثيرًا منهم) بالنصب، وقرأ الجمهور بالرفع على أنَّه بدل من فاعل (عموا وصموا) .
{وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} لنبيه وخاتم أنبيائه من الكيد والمكر وتدبير الإيقاع به، وتأليب القبائل والشعوب المختلفة، لتكون يدًا واحدة للفتك به، وما سبب ذلك إلا اتباعهم للهوى، وأنهم عموا وصموا مرة أخرى، فصاروا لا يبصرون ما جاء به من النور والهدى، ولا يسمعون ما يتلوه عليهم من الآيات، وسيعاقبهم الله تعالى على ذلك بمثل ما عاقبهم به من قبل، وينكل بهم أشد النكال، ويذيقهم أنواع الوبال. وفي هذه الجملة تهديد شديد، وناسب ختم الآية بهذه الجملة المشتملة على بصير إذ تقدم قبله فعموا، والتعبير بصيغة المضارع في {يَعْمَلُونَ} لحكاية الحال الماضية، ولرعاية الفواصل؛ أي: والله بصير بما عملوا. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 7/ 393 - 406} ...