هذا كله مذهب الكوفيين، وأنكر البصريون جميع ذلك، أما قول الكسائي فقد ذكرنا وجه بطلانه، وأما قول الفراء: نصب (إن) ضعيف، لأنها إنما تغير الاسم ولا تغير الخبر"فقال أبو إسحاق: هذا غلط، لأن (إن) قد عملت عملين: النصب والرفع، وليس في العربية ناصب ليس معه مرفوع؛ لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل إلا فيما لم يُسَمَّ فاعله، وكيف يكون نصب (إن) ضعيفًا وهي تتخطى الظروف فتنصب ما بعدها نحو قولك: إن أمامك زيدًا، وإن عندك عمروًا، قال الله تعالى: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة: 22] ونصب (إنَّ) من أقوى المنصوبات، ومذهب الخليل وسيبويه في هذا التقديم والتأخير، ويكون (الصابئون) مرتفعًا بالابتداء، المعنى:"إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله"إلى آخر الآية، والصابئون والنصارى كذلك أيضًا."
إن عبد الله ومحمد قائم، تريد: إن عبد الله قائم ومحمد كذلك أيضًا، وأنشدوا:
عقاب عقبناه كأن وظيفها ... وخرطومُها الأعلى بنار مُلَوّح
أراد كأنَّ وظيفها مُلوِّح وخرطومها كذلك أيضاً، وعلى هذا حملوا أيضًا ما أنشده الكوفيون، أما قول بشر فالمعنى فيه: فاعلموا أنا بغاة ما بغينا في شقاق وأنتم أيضًا كذلك، وكذلك سائر الأبيات.
وأما قوله: فإني وقيَّارٌ فإن رواية البصريين:"وقَيَّارًا"بالنصب، وإن رفع كان محمولًا على التقدير الذي ذكرنا، وأما ما أجازه الفراء من قولهم: إنهم أجمعون ذاهبون، فحمله سيبويه على الغلط، وقال: إن قومًا من العرب يغلطون فيقولون إنك وزيدٌ ذاهبان، وإنهم أجمعون منطلقون، فجعله غلطًا.