وقال مجاهد: لما نزلت {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} قال:"يا رب كيف أصنع؟ أنا واحد، أخاف أن يجتمعوا علي"فأنزل الله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
فكل هذه الأقوال في تفسير هذه الآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشفق على نفسه غائلة اليهود والكفار، فكان لا يجاهرهم بعيب دينهم وسب آلهتهم، حتى أمنه الله تعالى بقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، واختلفوا في قوله: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} فقرئ (رسالته) على واحدة، و (رسالاته) على الجمع، فمن جمع قال: إن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام في الشريعة مختلفة، وكل آية أنزلها الله على رسوله فهي رسالة، فحسن لفظ الجمع، ومن أفرد قال: القرآن كله رسالة واحدة، وأيضًا فإن لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله تعالى: {وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان: 14] فوقع الاسم الواحد على الجمع كما يقع على الواحد، فكذلك الرسالة.
وقوله تعالى: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، أي: يمنعك أن ينالوك بسوء من قتل أو أسر أو قهر، وقالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} وكان سعدٌ وحذيفة يحرسانه، فأخرج رسول الله رأسه من قبة أدم وقال:"انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله".
وقال الزجاج في قوله: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} : أي يحول بينهم وبين أن يصيبك منهم مكروه، فإن قيل: أليس قد شج جبينه وكسرت رباعيته؟، قلنا: كان هذا قبل نزول الآية؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، أو نقول: المراد بالعصمة: أن يعصمه من قتله وأسره على ما ذكرنا أولاً.