وقد دلّ على الخبر ما ذكر بعده من قوله: {فلا خوف عليهم} إلخ.
ويكون قوله: {والّذين هادوا} عطفَ جملة على جملة ، فيجعل {الّذين هادوا} مبتدأ ، ولذلك حقّ رفع ما عُطف عليه ، وهو {والصابُون} .
وهذا أولى من جعل {والصابون} مَبْدأ الجملة وتقدير خبر له ، أي والصابون كذلك ، كما ذهب إليه الأكثرون لأنّ ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصّي عن ذلك ، ويكون قوله: {من آمن بالله} مبتدأ ثانياً ، وتكون (من) موصولة ، والرّابط للجملة بالّتي قبلها محذوفاً ، أي من آمن منهم ، وجملة {فلا خوف عليهم (1) } خبراً عن (مَن) الموصولة ، واقترانها بالفاء لأنّ الموصول شبيه بالشرط.
وذلك كثير في الكلام ، كقوله تعالى: {إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم} [البروج: 10] الآية ، ووجود الفاء فيه يعيّن كونه خبراً عن (مَن) الموصولة وليس خبر إنّ على عكس قول ضابي بن الحارث:
ومن يَك أمسى بالمدينة رحلُه...
فإنّي وقبّار بها لغريب
فإنّ وجود لام الابتداء في قوله:"لغريب"عيَّن أنّه خبر (إنّ) وتقديرَ خبر عن قبّار ، فلا ينظّر به قوله تعالى: {والصابون} .
ومعنى {من آمن بالله واليوم الآخر} من آمن ودَام ، وهم الّذين لم يغيّروا أديانهم بالإشراك وإنكارِ البعث ؛ فإنّ كثيراً من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التّوراة.
ومنهم من جعل عُزيراً ابناً لله ، وإنّ النّصارى ألَّهوا عيسى وعبدوه ، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب.
وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة (62) .