ثمَّ قال: مثل الذي يُعلِّم الناس ولا يعمل، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.
وروى ابنه في"زوائده"عن صفوان بن محرز رحمه الله تعالى قال:
نزل عليَّ جندب البلخي، فسمعته يقول: إنَّ مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه.
وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم التَّيمي رحمه الله تعالى - وكان ممن قص وآثروا قصصه - أنَّه قال: والله ما عرضت على قولي عملي إلا خفت أن أكون مكذبًا.
وذكر في"الإحياء"عن يحيى بن أبي كثير: أن داود عليه السَّلام كان إذا ناح على نفسه، وذكر بني إسرائيل فأخذ في الدُّعاء، خرَّ مغشيًا عليه، فيأتيه سليمان عليه السَّلام بسرير فيحمله عليه، ثمَّ إذا أفاق داود عليه السَّلام قام ووضع يده على رأسه، ودخل بيت عبادته، وأغلق بابه وقال: يا إله داود! أغضبان أنت على داود؟
ولا يزال يناجي ربه، فيأتي سليمان عليه السَّلام، ويقعد على الباب، ويستأذن، ثمَّ يدخل ومعه قرص من شعير، فيقول: يا أبتاه! تقوَّ بهذا على ما تريد، فيأكل من ذلك القرص ما شاء الله، ثمَّ يخرج إلى بني إسرائيل فيحكم بينهم.
واعلم أني إنما بسطت الكلام في هذا المقام لشدة الاحتياج إليه، وقد كنت أردت أن أؤلف في هذا المعنى مؤلفًا مستقلًّا، فاستغنيت بهذا الفصل عن استئناف كتاب مستقل؛ ولله الحمد.
وهَذَا فَصْلٌ آخرُ في آدَابِ المُسْتَمِعِ لِتَتِمَّ الفَائِدَة
الأوَّل: أن يقدم بين يدي حضوره حسن النية والإخلاص، فينوي أن يسمع كلمة حكمة تدل على هدى، أو ترده عن رَدَى، وأن يطلب العلم ومجالس أهل الخير، وينظر إلى وجه العالم، ونحو ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".
الثاني: أن يجعل سماعه ممن اشتهر بالفقه وتعليم الأحكام الشرعية، والكلام على إصلاح القلب في تهذيب الباطن لأنه أنفع لهم وأهم، و"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده"كما في الحديث.
وقد تقدم عن ابن سيرين: أنَّه أرشد في منامه إلى الجلوس في مجلس حميد بن عبد الرَّحمن؛ لأنه مجلس علم وفقه دون مجلس القصص الصرف.
الثالث: أن يقصد بسماعه وأخذه من اشتهر بالسنة والاتباع دون