من اشتهر بشيء من الابتداع؛ فإن للصحبة تأثيرًا، وللكلام في القلوب نفوذًا، فلا يشرب قلبه إلا بما يرضى به ربه - عز وجل -.
روى الإمام أحمد في"الزُّهد"عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ثلاثة لا تبلونَّ نفسك بهن: لا تدخل على سلطان وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلِّمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى؛ فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه.
وسيأتي في النهي عن التشبه بأهل البدع ما فيه غُنية.
الرابع: أن يحذر من اشتهر بالفسق وعَدم التحرز عن الحرام، أو بالدخول على السَّلاطين والأمراء، والتواضع لأهل الدُّنيا من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك؛ فإن العالم إذا آثر الحياة الدُّنيا زلت موعظته عن القلوب، أو بالتصنع والسَّجع في الكلام تكلفًا؛ فإن موعظته قليلة الجدوى.
وليرغب في العالم الصَّالح النافع المستغني عن النَّاس المكتفي بما يرزقه الله تعالى من غير دخول في شيء مما ذكر، وإذا لم يتيسر له من هذا وصفه، فيكفيه أن يكون مستورَ الحال غيرَ متجاهرٍ بشيء مما ذكر.
وفي الحديث:"المَرْءُ عَلَى دِيْنِ خَلِيْلِهِ".
وروى أبو نعيم في"الحلية"- وسنده ضعيف - عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"لا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ إِلَّا عَالِمًا يَدْعُوْكُمْ مِنْ خَمْسٍ إلَى خَمْسٍ، مِنَ الشَّكِ إلَى اليَقِيْنِ، وَمِنْ الرِّيَاءِ إلَى الإِخْلاصِ، وَمِنَ الرَّغْبَةِ إلَى الزُّهْدِ، وَمِنَ الكِبْرِ إلَى التَّواضُعِ، وَمِنَ العَداوَةِ إلَى النَّصِيْحَةِ".
الخامس: أن يحسن اعتقاده فيمن يجلس إليه بعد أن يجتهد في الاصطفاء والاختيار، ولا يبحث عن عيوبه؛ فإن ذلك يحرمه الانتفاع به، وما ظهر له مما يخالف اعتقاده فيه تأوله بما يوافق الشرع ما أمكنه، وإلا سكت عنه، ولا يشتغل بغيبته لأنَّ هذا أمر مهلك، ثمَّ ينتفع بحكمته ويعرض عن زلته.
السادس: أن يجلس إذا حضر المذكر مستقبلًا وجهه، وإن أمكنه استقبال وجهه واستقبال القبلة فعل، وهو أحسن.