واعلم أن الادخار لم يمنع منه في شريعتنا إلا لو كان على سبيل البخل والشح، أو على سبيل الاحتكار.
ثمَّ اللائق بمقام التوكل أن لا يدخر لنفسه شيئاً؛ فإن ادخر لعياله أو ليستريح من مشقة الاحتراف في كل يوم، ويتفرغ للعبادة، فلا يناقض التوكل.
نعم، ينبغي أن لا يزيد على قوت سنة؛ ففي"الصحيحين"عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعزل نفقة أهله سنة.
والحاصل أن التوكل هو الثقة بالله، وتعلق القلب به لا بالأسباب من حرفة، أو تجارة، أو جراية، أو قوت مدخر، أو مال، أو منفق.
فمن تعانى هذه الأسباب، ولم يعتمد بقلبه عليها لأنها قد تتعطل وتهلك، وتعرض لها الآفات، بل كلما كان اعتماده على الله تعالى وكان تعلقه بالأسباب استناناً وابتغاء فقد قام في مقام التوكل، وحافظ على السنة.
وقد قال الإمام الجليل أبو محمَّد سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة، ومن طعن في
التوكل فقد طعن في الإيمان.
وقال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [سورة النساء: 81] .
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [سورة الفرقان: 58] .
{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} [سورة المائدة: 23] .
وقال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [سورة الملك: 15] .
وقال: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [سورة الجمعة: 10] .
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عقبة بن أبي زينب قال: في التوراة مكتوب: لا تتوكل على ابن آدم؛ فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت.
وعن الوليد بن عمرو قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة: ابن آدم! حركْ يدك أفتحْ لك بابًا من الرزق، وأطعني فيما أمرتك فما أعلَمَني بما يصلحك.
وقد بسطنا القول في التوكل، والاكتساب وآداب الكسب في"منبر التوحيد"بما لا مزيد عليه.
206 -ومن أخلاق اليهود والنصارى: الوقاحة، وعدم الحياء من الله تعالى.
ويكفي من وقاحتهم قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله.