وقد يقال: إن ذلك - وإن لم يكن مشروعاً فيهم - فقد ألهمه
هذان إلهامًا، وهو خير لا منع منه.
وروى ابن الجوزي في"ذم الهوى"عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجل من العُبَّاد شديد الاجتهاد، فرأى يوما امرأة، فوقعت في نفسه بأول نظرة، فقام مسرعاً حتى لحقها، فقال: روديك يا هذه، فوقفت وعرفته، فقالت: ما حاجتك؟
قال: أذات زوج أنت؟
قالت: نعم، فما تريد؟
قال: لو كان غير هذا كان لنا نظر في ذلك.
قالت: وما نظرك؟
قال: عرض بقلبي من أمرك عارض.
قالت: وما يمنعك من إنفاذه؟
قال: وتتابعيني على ذلك؟
قالت: نعم.
فَخَلَت به في موضع، فلما رأته مُجداً في الذي مالَ إليه قالت: رويدك يا مسكين؛ لا يسقط جاهك عنده؟
قال: فانتبه لها، وسكن عن قلبه ما كان يجد من فتنتها، فقال: لا حرمك الله ثواب فعلك.
ثم تنحى ناحية فقال لنفسه: اختاري إما عمى العين، أو قطع الإحليل والقدم، وإما السياحة في مآكل الوحوش والسباع.
فاختار السياحة، فلبس السياحة وخرج سائحاً في البراري والقفار حتى مات وهو يبكي على تلك النظرة.
193 -ومن أعمال بني إسرائيل: القذف.
وقد ذكرنا من أفعال قارون قذف موسى عليه السلام، وإنما أعدناه هنا لزيادة الفائدة.
وقد قذف اليهود مريم عليها السلام، وأشبههم المنافقون والروافض في قذف عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وبرَّأَ الله تعالى مريم عليها السلام على لسان ابنها عيسى عليه السلام، وبرَّأ عائشة رضي الله تعالى عنها على لسان محمَّد - صلى الله عليه وسلم -.
وكان كل من البراءتين أمراً خارقاً؛ فإن عيسى عليه السلام تكلم في المهد ببراءة أمه، وهذا أمر خارق.
وأنزل الله تعالى براءة عائشة رضي الله تعالى عنها في ثماني عشرة آية من سورة النور، والقرآن كله أمر خارق للعادة، معجز للفصحاء، وهو أعظم معجزة في الوجود.
ثم إن الرافضي متى قذف المُبَرَّأة البتول الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، أو أنكر صحبة أبيها، كان كافرًا باجماع المسلمين.
وإنما الخلاف في إكْفَاره فيما لو اقتصر على التقديم والتأخير والسب.