التوفيق بين هذا وبين ما قاله
في تهافت الفلاسفة
مسألة الأسباب التي شرحها الإمام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل هي ما
يعتقده المسلمون، وإنما كتبها للمسلمين لأنه بين في هذا الكتاب مقام التوكل الذي
هو أعلى مقامات الإيمان، وله كلام آخر في هذه المسألة مع الفلاسفة لا مع
المسلمين، وكلامه هناك يجب أن يكون بلسان يخالف هذا اللسان ولكن لا يناقضه
ذلك أنه هنا يشرح الواقع الذي يدل عليه الوجود وينطق بموافقته الشرع وهناك
يتكلم على العلل والتأثيرات الحقيقة في الإيجاد والإعدام وما قاله في الموضعين هو
الحق الذي لا محيد عنه كما نبينه.
ولا بد قبل الخوض في القسم الثاني من كلمة تمهيدية في الموضوع وهي أن
المغرورين بالظواهر من الفلاسفة المتقدمين كانوا ينزلون الأسباب العادية الظاهرة
منزلة العلل العقلية القاطعة وينسبون إليها التأثير ويزعمون أنها مطردة اطرادًا
ضروريًّا يستحيل انفكاكه، ولو نهضت لهم الحجة البالغة على ذلك لما خالفهم
المسلمون؛ لأن القاعدة المتفق عليها عند المتكلمين هي أن قدرة الله تعالى وإردته لا
تتعلقان بالمستحيل وإنما تتعلقان بالممكن فقط، ولكن لا حجة لهم على ذلك وإنما
هي شبهات كشف الحجاب عنها الغزالي وغيره، وتلك الأسباب التي مر القول في
اطرادها ممكنة فهي مطردة بفعل الله تعالى.
ولو سلَّم الناس بقول أولئك الفلاسفة لوقفت حركة العلم عند تلك الظواهر
التي كانوا يرون تغييرها محالاً عقليًّا وإنما المحال العقلي شيء واحد وهو اجتماع
النقيضين أو الضدين المساويين للنقيضين أو ارتفاعهما، ولو أن هذه الغرائب التي
كشفها العلم في عصرنا ذكرت لأولئك الفلاسفة القاصرين لجزموا باستحالتها
وأوردوا على ذلك من الشبهات النظرية مثلما أوردوه على القول ببعث الأجساد،
وأمثلة بعث الأجساد ظاهرة اليوم لعلماء الكيمياء ظهورًا تامًّا، قال الإمام الغزالي
في كتاب تهافت الفلاسفة ما نصه: (هذا ما أردنا أن نذكره في العلم الملقب عندهم