يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيُّهَا الْيَهُودُ , أَشَدُّ أَخْذًا عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ , وَأَجْوَرُ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ وَالْقَصْدِ مِنْهُمْ. وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَرِ إِخْبَارَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ بِقَبِيحِ فِعَالِهِمْ وَذَمِيمِ أَخْلَاقِهِمْ وَاسْتِيجَابِهِمْ سَخَطَهُ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ , حَتَّى مَسَخَ بَعْضَهُمْ قِرَدَةً وَبَعْضَهُمْ خَنَازِيرَ , خِطَابًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالْجَمِيلِ مِنَ الْخِطَابِ , وَلَحْنٌ لَهُمْ بِمَا عَرَفُوا مَعْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ بِأَحْسَنِ اللَّحْنِ , وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَدَبِ أَحْسَنَهُ , فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ , أَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الَّذِينَ تَسْتَهْزِءُونَ مِنْهُمْ شَرٌّ أَمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ وَهُوَ يَعْنِي الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا جَاءَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْيَهُودِ , قَالُوا لَكُمْ: آمَنَّا: أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى دِينِهِ , وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ , قَدْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ بِكُفْرِهِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَيُضْمِرُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ , وَهُمْ يُبْدُونَ كَذِبًا التَّصْدِيقَ لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
{وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ}
يَقُولُ:"وَقَدْ خَرَجُوا بِالْكُفْرِ مِنْ عِنْدِكُمْ كَمَا دَخَلُوا بِهِ عَلَيْكُمْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْكُمْ عَنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ , يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ."
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ}
يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عِنْدَ قَوْلِهِمْ لَكِنْ بِأَلْسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ، يَكْتُمُونَ مِنْهُمْ بِمَا يُضْمِرُونَهُ مِنَ الْكُفْرِ بِأَنْفُسِهِمْ.