وهل هذا إخبار من الله ، أو هو تعليم لنا؟ . إنه تعليم لنا أن نفعل ذلك عندما نشتاق إلى فعل . وكذلك هنا: {وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ} لذلك يعلمنا سبحانه أن نقول: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} مثلما علمنا أن نقول: {إِن شَآءَ الله} حتى ننسب كل قدر لله . وقد حاول الفلاسفة أن ينسونا تقدير المشيئة ، فقالوا: إن الله خلق النواميس والأكوان وجعل لها قوانين تعمل في الكون . وهل زاول الحق سلطانه ساعة خلق النواميس ثم ترك الأمور لذاتها؟ لا ؛ لذلك جاء سبحانه بمعجزات تخرق النواميس ليدلنا على أن النواميس لم تأخذ هي الكلمة للتصرف بل إن يد الله ما زالت في كونه ، فالنار - على سبيل المثال - التي تحرق يأتيها الأمر: {كُونِي بَرْداً وسلاما} [الأنبياء: 69] .
والماء الذي يُغرق يأتيه الأمر: {فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم} [الشعراء: 63] .
وقال: {فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 77 - 78] .
والعصا التي خلقت من غصن شجر جاف ، تتحول إلى أفعى ، أي نقلها كلها إلى جنس آخر ، من نباتية إلى حيوانية . هذا هو خرق النواميس .
ويقول الحق عن هؤلاء الذين ادعوا أن يد الله مغلولة: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} أي أنهم طردوا من رحمة الله ، لأنهم هم الذين بشروا على أنفسهم وقالوا إن يد الله مغلولة ، وسبحانه قادر أن يمنع عطاءه عنهم .