فعلى هذا هو من الغل حقيقة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم وطرحوا في النار جزاء لهم على هذا القول ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا سبب ما قالوا فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية وفي الآخرة لهم عذاب النار.
وقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} يعني أنه تعالى جواد كريم ينفق كيف يشاء وهذا جواب لليهود ورد عليهم ما افتروه واختلقوه على الله تعالى عن قولهم علواً كبيراً وإنما أجيبوا بهذا الجواب على قدر كلامهم.
وأما الكلام في اليد فقد اختلف العلماء في معناها على قولين: أحدهما وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين أن يد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم ونمرها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل قال الله تعالى {لما خلقت بيدي} وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين"
والقول الثاني: قول جمهور المتكلمين وأهل التأويل ، فإنهم قالوا اليد تذكر في اللغة على وجوه ، أحدها: الجارحة وهي معلومة.
وثانيهما: النعمة.
يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها.
وثالثها: القدرة قال الله تعالى: {أولي الأيدي والأبصار} فسروه بذوي القوى والعقول لا يدلك بهذا الأمر والمعنى سلب كمال القدرة.
ورابعها: الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه ومنه قوله تعالى {الذي بيده عقدة النكاح} أي يملك ذلك ، أما الجارحة فمنتفية في صفة الله عز وجل لأن العقل دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض تعالى الله عن الجسمية والكيفية والتشبيه علواً كبيراً فامتنع بذلك أن تكون يد الله بمعنى الجارحة وأما سائر المعاني ، التي فسرت اليد بها فحاصلة ، لأن أكثر العلماء من المتكلمين زعموا أن اليد في حق الله عبارة عن القدرة وعن الملك وعن النعمة وها هنا إشكالان: