وكلمة"حكيم"لها في حياتنا قصة ، كنا ونحن في مقتبل حياتنا التعليمية نحب الأدب والشعر والشعراء ، وبعد أن قرأنا للمعري وجدنا عنده بعضا من الشعر يؤول إلى الإلحاد ، فزهدنا فيه وخصوصا عندما قرأنا قوله في قصيدته:
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
وأخذنا من ذلك القول أنّه ينكر البعث ؛ فقلنا: يغنينا الله عنه . ولكن صديقنا الشيخ فهمي عبداللطيف - رحمه الله - رأى المعري في الرؤيا وكان مولعا بالمعري ، فجاء إلى ذات صباح ونحن في الزقازيق وقال لي: يا شيخ لقد رأيت المعري الليلة في الرؤيا وهو غاضب منك أنت لأنك جفوته . فقلت: أنا جفوته لكذا وكذا وأنت تعلم السبب في ذلك . وقال الشيخ فهمي عبداللطيف: هذا ما حصل .
وقلت لنفسي: يجب أن أعيد حسابي مع المعري ، وجئنا بدواوينه"سقط الزند"و"لزوم ما لا يلزم". ووجدنا أن للرجل عُذراً في أن يعتب علينا ؛ لأن آفة الناس الذين يسجلون خواطر أصحاب الفكر أنهم لا ينظرون إلى تأريخ مقولاتهم ، وقد قال المعري قوله الذي أنكره عليه وقت أن كان شابا مفتونا بفكره وعندما نضج قال عكسه . وكثير من المفكرين يمرون بذلك ، مثل طه حسين والعقاد ، بدأ كل منهما الحياة بكلام قد يؤول إلى الإلحاد ولكنهما كتبا بعد النضج ما يحمل عطر الإيمان الصحيح ؛ لذلك لا يصح لمن يحكم عليهم أن يأخذهم بأوليات خواطرهم التي بدأوها بالشَّك حتى يصلوا إلى اليقين . وجلست أبحث في المعري الذي قال:
تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك
فوجدته هو نفسه الذي قال بعد أن ذهبت عنه المراهقة الفكرية:
زعم المنجم والطبيب كلاهما ... لا تحشر الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر ... أو صح قولي فالخسار عليكما
كأنه عاد إلى حظيرة الإيمان:
وكذلك قال المعري:
يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ ... ما بالها قُطِعَت في ربع دينار
وقال بعد ذلك: