والعبارة الثالثة - (وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا) . السعي: هو الحركة السريعة المستمرة، وقوله تعالى: (فَسَادًا) . هو من قبيل التمييز، أي أن سعيهم لأجل الفساد لَا لأجل الخير، وفي ذلك الكلام إبهام بعده بيان، فيكون فيه تأكيد في البيان، فذكر السعي مبهما ثم بين بأنه من نوع الفساد، لَا من نوع الخير. وإن أولئك الذين يحاربون النظام، وعقوبتهم التي ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله تعالت كلماته: (أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يصَلَّبُوا) . إلى آخر الآية الكريمة - هم الذين يعبر عنهم في الفقه بقطَّاع الطريق، ويسمى فعلهم قطع الطريق، ويسمى الحرابة، وَيُعَنْوَنُ له بذلك في الفقة الإسلامي، والعقوبة المذكورة في النص الكريم خاصة بهم.
وقد التبس - على بعض من لَا دراية له بأحكام العقوبات في الفقة الإسلامي - هؤلاء بالبغاة، والتبس على بعض آخر أمر هؤلاء بأمر الخوارج، والواقع أن الذين ينقضون النظام أقسام ثلاثة متمايزة متغايرة، فالبغاة: هم الخارجون ذوو القوة والمنعة الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل، أي بوجه مسوغ لهم الخروج، كأولئك البغاة الذين خرجوا على الإمام علي كرم الله وجهه، والذين وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله لعمار بن ياسر رضي الله عنه:"تقتلك الفئة الباغية"وهذه تقاتل حتى تسلم، كما قال تعالى (. . . فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(9) .
وهؤلاء البغاة لَا يستبيحون من الأموال والدماء إلا معسكر السلطان، إذ هم لا يحاربون غيره، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.
والخوارج: هم الذين خرجوا على الإمام العادل بتأويل، ولكنهم لا يستبيحون معسكر السلطان فقط، بل يعتبرون مخالفيهم في الرأي كافرين، بل يعتبرونهم مشركين، وهؤلاء يعاملون معاملة البغاة، يقاتلون حتى يفيئوا فإذا كانت الفيئة فالإصلاح والقسط، ورد القضب إلى أجفانها.