فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْقَتْلَ أَوْ الصَّلْبَ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَمْعُهُمَا عَلَيْهِ ؟ قِيلَ لَهُ: أَرَادَ قَتْلًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الصَّلْبِ إذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ ، وَأَرَادَ قَتْلًا عَلَى وَجْهِ الصَّلْبِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، فَغُلِّظَتْ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ الْقَتْلِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ.
وَرَوَى مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ:"يُتْرَكُ الْمَصْلُوبُ مِنْ الْمُحَارِبِينَ عَلَى الْخَشَبَةِ يَوْمًا"وَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"."
وَاخْتُلِفَ فِي النَّفْيِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا:"هُوَ حَبْسُهُ حَيْثُ يَرَى الْإِمَامُ"وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ ؛ وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّ نَفْيَهُ طَلَبُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ:"يُنْفَى إلَى بَلَدٍ آخَرَ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فِيهِ الْعُقُوبَةَ فَيُحْبَسُ هُنَاكَ".
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ:"هُوَ أَنْ يَطْلُبَ الْإِمَامُ الْحَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ يُنْفَى عَنْ كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ ؛ فَهُوَ إنَّمَا يَنْفِيهِ عَنْ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ فِيهِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنْفِيٍّ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِهِ ، فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ وَلَا مَعْنَى أَيْضًا لِحَبْسِهِ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ ؛ إذْ الْحَبْسُ يَسْتَوِي فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَصَابَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ، فَالصَّحِيحُ إذًا حَبْسُهُ فِي بَلَدِهِ.