وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات في الصحاح ، وغيرها ، أنها نزلت في قوم"عرينة"، و"عكل"، الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة ، فأمر لهم صلى الله عليه وسلم بلقاح ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها ، وألبانها فانطلقوا ، فلما صحوا وسمنوا ، قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا اللقاح ، فبلغه صلى الله عليه وسلم خبرهم ، فأرسل في أثرهم سرية فجاؤوا بهم ، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرة يستسقون ، فلا يسقون حتى ماتوا.
وعلى هذا القول ، فهي نازلة في قوم سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم ، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها ، والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطَّاع الطريق من المسلمين ، كما قاله جماعة من الفقهاء بدليل قوله تعالى: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] الآية ، فإنها ليست في الكافرين قطعاً. لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه ، كما تقبل قبلها إجماعاً لقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، وليست في المرتدين ، لأن المرتد يقتل بردته وكفره ، ولا يقطع لقوله صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما يوجب القتل:"والتارك لدينه المفارق للجماعة"، وقوله:"من بدل دينه فاقتلوه"، فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين ، فإن قيل: وهل يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟ فالجواب: نعم.
والدليل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِه} [البقرة: 278 - 279] .
تنبيه