ووقع لأبي البقاء الكفوي في كتاب"الكليّات"أنّه قال:"العداوة أخصّ من البغضاء لأنّ كلّ عدوّ مبغض ، وقد يُبغِض من ليس بعدوّ".
وهو يخالف كلام ابن عرفة.
وفي تعليليْهما مصادرة واضحة ، فإن كانت العداوة أعمّ من البغضاء زادتْ فائدةُ العطف لأنّه يصير في معنى الاحتراس ، وإن كانت العداوة أخصّ من البغضاء لم يكن العطف إلاّ للتّأكيد ، لأنّ التأكيد يحصل بذكر لفظ يدلّ على بعْضضٍ مُطلقٍ من معنى الموكَّذ ، فيتقرّر المعنى ولو بوجه أعمّ أو أخصّ ، وذلك يحصل به معنى التّأكيد.
وعندي: أنّ كلا الوجهين غير ظاهر ، والذي أرى أنّ بين معنيي العداوة والبغضاء التضادّ والتباين ؛ فالعداوة كراهية تصدر عن صاحبها: معاملةٌ بجفاء ، أو قطيعة ، أو إضرار ، لأنّ العداوة مشتقّة من العدو وهو التجاوز والتباعد ، فإنّ مشتقّات مادة (ع د و) كلّها تحوم حول التفرّق وعدم الوئام.
وأمّا البغضاء فهي شدّة البغض ، وليس في مادة (بـ غ ض) إلاّ معنَى جنس الكراهية فلا سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها.
نعم يمكن أن يرجع فيه إلى طريقة القلب ، وهو من علامات الاشتقاق ، فإنّ مقلوب بَغِض يكون غَضِب لا غير ، فالبغضاء شدّة الكراهية غير مصحوبة بَعَدوْ ، فهي مضمرة في النفس.
فإذا كان كذلك لم يصحّ اجتماع معنيي العداوة والبغضاء في موصوف واحد في وقتٍ واحد فيتعيّن أن يكون إلقاؤهما بينهما على معنى التّوزيع ، أي أغرينا العداوة بين بعض منهم والبغضاءَ بين بعضضٍ آخر.
فوقع في هذا النظم إيجاز بديع ، لأنّه يرجع إلى الاعتماد على علم المخاطبين بعدم استقامة اجتماع المعنيين في موصوف واحد.
ومن اللّطائف ما ذكره ابن هشام ، في شرح قصيدة كعب بن زهير عند قول كعب:
لكنَّها خُلّة قد سِيط من دَمها...
فَجْع وولْع وإخلاف وتبديل