أنّ الزمخشري قال: إنّه رأى نفسه في النّوم يقول: العداوة مشتقّة من عُدوة الوادي ، أي جانبه ، لأنّ المتعاديين يكون أحدهما مفارقاً للآخر فكأنّ كلّ واحد منهما على عدوة أ هـ.
فيكون مشتقّاً من الاسم الجامد وهو بعيد.
وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم كان عقاباً في الدنيا لقوله: {إلى يوم القيامة وسوف ينبّئهم الله بما كانوا يصنعون} جزاء على نكثهم العهد.
وأسباب العداوة والبغضاء شدّة الاختلاف: فتكون من اختلافهم في نحَل الدّين بين يعاقبة ، وملكانية ، ونسطورية ، وهراتقة (بروتستانت) ؛ وتكون من التحاسد على السلطان ومتاع الدّنيا ، كما كان بين ملوك النّصرانية ، وبينهم وبين رؤساء ديانتهم.
فإن قيل: كيف أغريت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلْبا على المسلمين؟ فجوابه: أنّ العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فِرقاً ، كما قدّمناه في سورة النساء (171) عند قوله تعالى: {وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه} ، وذلك الانقسام يجرّ إليهم العداوة وخذْل بعضهم بعضاً.
ثمّ إنّ دولهم كانت منقسمة ومتحاربة ، ولم تزل كذلك ، وإنّما تألّبوا في الحروب الصّليبية على المسلمين ثمّ لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا ، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن.
وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتّحاد بينهم ، وكان اختلافهم لطفاً بالمسلمين في مختلف عصور التّاريخ الإسلامي ، على أنّ اتّفاقهم على أمّة أخرى لا ينافي تمكُّن العداوة فيما بينهم ، وكفى بذلك عقاباً لهم على نسيانهم ما ذكّروا به.
وقيل: الضمير عائد على الفريقين ، أي بين اليهود والنصارى ، ولا إشكال في تجسّم العداوة بين الملّتين.
وقوله: وسوف ينبّئُهم الله تهديد لأنّ المراد بالإنباء إنباء المؤاخذة بصنيعهم ، كقوله: {فسوف تعلمون} [الأنعام: 135] .