وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , أَنَّ اللَّذَيْنِ قَرَّبَا الْقُرْبَانَ كَانَ ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لَا مَنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ فَائِدَةً , وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا عَالِمِينَ أَنَّ تَقْرِيبَ الْقُرْبَانِ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي وَلَدِ آدَمَ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ غَيْرِهِمْ.
فَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ , فَمَعْقُولٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنِيًّا بِابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ابْنَاهُ لِصُلْبِهِ , لَمْ يُفِدْهُمْ بِذِكْرِهِ جَلَّ جَلَالُهُ إِيَّاهُمَا فَائِدَةً لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ.
وَإِذَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ مَعْنًى , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَنَى ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لَا ابْنَيْ بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبُهُمْ مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَفِي عَهْدِ آدَمَ وَزَمَانِهِ , وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي تَقْرِيبِهِمَا مَا قَرَّبَا , فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا , وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّ تَقْرِيبَهُمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قُرْبَانُهُ لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانُهُ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَتَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ وَالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ , اسْتِغْنَاءً بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرِهِمَا عَنْ إِعَادَتِهِ , وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ مَعَ قَوْلِهِ: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} .