قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} قَالَ:"يَقُولُ: إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ فِي قُرْبَانِكَ تُقُبِّلَ مِنْكَ , جِئْتَ بِقُرْبَانٍ مَغْشُوشٍ بِأَشَرِّ مَا عِنْدَكَ , وَجِئْتُ أَنَا بِقُرْبَانٍ طَيِّبٍ بِخَيْرِ مَا عِنْدِي؛ قَالَ: وَكَانَ قَالَ: يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْكَ وَلَا يَتَقَبَّلُ مِنِّي"
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنَ الْمُتَّقِينَ} مِنَ الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَخَافُوهُ بِأَدَاءِ مَا كَلَّفَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: الْمُتَّقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِينَ اتَّقُوا الشِّرْكَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُرْبَانِ فِيمَا مَضَى , وَأَنَّهُ الْفُعْلَانُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَّبَ , كَمَا الْفُرْقَانُ: الْفُعْلَانُ مِنْ فَرَّقَ , وَالْعُدْوَانُ مِنْ عَدَا. وَكَانَتْ قَرَابِينُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ أُمَّتِنَا كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ فِينَا , غَيْرَ أَنَّ قَرَابِينَهُمْ كَانَ يُعْلَمُ الْمُتَقَبَّلُ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمُتَقَبَّلُ فِيمَا ذُكِرَ بِأَكْلِ النَّارِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا وَتَرْكِ النَّارِ مَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا.
وَالْقُرْبَانُ فِي أُمَّتِنَا: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ: مِنَ الصَّلَاةِ , وَالصِّيَامِ , وَالصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ , وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ , وَلَا سَبِيلَ لَهَا إِلَى الْعِلْمِ فِي عَاجِلٍ بِالْمُتَقَبَّلِ مِنْهَا وَالْمَرْدُودِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قُرْبَانُ الْمُتَّقِينَ: الصَّلَاةُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) }
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْمَقْتُولِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ لَمَّا قَالَ لَهُ أَخُوهُ الْقَاتِلُ لَأَقْتُلَنَّكَ: وَاللَّهِ {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ}
يَقُولُ:"مَدَدْتَ إِلَيَّ يَدَكَ {لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ} "