فَالِاخْتِلَافُ فِي الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ وَالشُّعُورِ وَالْوِجْدَانِ طَبِيعِيٌّ فِيهِمْ ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ النَّافِعَةِ اشْتِغَالُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ ، وَبِذَلِكَ يُظْهِرُونَ أَسْرَارَ اللهِ وَحِكَمِهِ فِي الْكَائِنَاتِ ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَا سَخَّرَهُ لَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَمِنْ لَوَازِمِهِ الضَّارَّةِ التَّخَاصُمُ وَالتَّقَاتُلُ . لِأَجْلِ هَذَا صَارُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الْحُكَّامِ وَالشَّرَائِعِ . وَكَانَ مِنْ عَدْلِ الشَّرِيعَةِ أَنْ تَبْنِيَ أَحْكَامَ قَتْلِ الْأَفْرَادِ وَقِتَالِ الشُّعُوبِ عَلَى قَوَاعِدَ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (2: 251) فَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُبَيِّنَةٌ لِحُكْمِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) (5: 11) الْآيَةَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ) (5: 18) الْآيَةَ ، وَمَا قُلْنَاهُ أَكْمَلُ وَأَعَمُّ وَأَشْمَلُ ، قَالَ تَعَالَى:
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) الْأَصْلُ لِمَعْنَى مَادَّةِ (ت ل و) التَّبَعُ ;
فَالتِّلْوُ - بِالْكَسْرِ - وَلَدُ النَّاقَةِ وَالشَّاةِ إِذَا فُطِمَ وَصَارَ يَتْبَعُهَا ، وَكُلُّ مَا يَتْبَعُ غَيْرَهُ فِي شَيْءٍ يُقَالُ: هُوَ تِلْوُهُ . وَيُقَالُ