ووجه ذلك أنه ما من صنعة يتعاطاها الإنسان بالتعلم إلا وقد سخر الله لمثل ذلك الصنعة حيوانا يتعاطاه ، وجعل الله تعالى ذلك سبباً لتعلم الناس ذلك منه ، فمن الحيوان ما يسبح ومنها ما يمشي ومن عادة الغراب دفن الأشياء فلما رأى قابيل ذلك تنبه لما يجب أن يفعل فاستصغر نفسه لقصوره عن معرفة
ما اهتدى إليه الغراب ، فأخذ يتحسر ، ويتولول وندم ندماً لا يثنيه
ولا يحد به كما قال الشاعر: -
َ ومَا يُغْنِي مِنْ الْحَدَثَانِ لَيْتَ
وليست هذه الندامة بندامة التوبة.
قوله عز وجل: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32)
الأجل: قطع الماء والآجل وقت مقطوع يقطع من وقته ، والآجل نقيض العاجل وهو الذي جُعل له أجل ما ، والأَجَلُ قطيع من الغنم ، وذلك لقولهم الصُّرمة والقطعية والفرقة ونحوها مما اشتق من الأسماء المتضمنة لمعنى القطع. وأَجَّل فلان على فلان جنى عليهم جناية. أجله حضر .
قوله: (مِن أَجلِ ذَلِكَ) أي من جناية ذلك ، وقيل: من سبب ذلك كقولهم من أجله وبَّين بقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أنه كان من أول من سنَّ القتل.
وعنده شُرع هذا الحكم ، وذلك كقولك من أجل ماعز شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الرجم ، أي عنده شرع ، وإنما خص بني إسرائيل
دون غيرهم لأن كتابهم أول كتاب بيَّن فيه فيه الأحكام.
وقيل: لأنه كثر منهم القتل ، وبيَّن أن الساعي في قتل نفس لم يلزمها قتل
ما يقتضي الاقتصاص أو فساد وذلك إلى نحو ما قال عليه الصلاة والسلام: (كفر بعد إسلام ، وزنا بعد إحصان) .