وقوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)
فإن الناس لما كانوا كجسم واحد ونسبة آحادهم إليه كنسبة
أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في
إهلاكهم، كما أن الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعى في إهلاك
كله، صار قتل الواحد كقتل الناس، ولهذا جاء في التفسير أن المؤمنين
خصم للقاتل ولهذا قال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) ، وقال مجاهد: فلو قتل الناس جميعاً لم يرد
في جزاءه على جزاء قوله: (وَمَن أَحيَاهَا) أي من نجاها من الهلاك إمَّا
بالحماية عليها، وإمَّا بالعفو عنها إذا لزمها قِصاص يستحب منه العفو.
قال مجاهد: (مَنْ أَحْيَاهَا) أي من ترك قتلها.
قال الحسن: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا) أي من أضله عن طريق الهدى،
(وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي دعا مشركاً إلى الإيمان فهداه وأرشده
فكأنما أحيا آدم عليه الصلاة والسلام وولده إلى القيامة.
قوله عز وجل:(وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ
بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ). تنبيه أن الله لم يخلهم من بشير ونذير على عبادته في الأمم.
والإسراف: الإبعاد في الخروج عن الحق، وعن الاستقامة التي هي
العدالة في كل شيء هذا أصله، وإن تُعورف في الخروج عن العدالة في إنفاق
المال، وقد وصف قوم لوط بالإسراف لخروجهم عمَّا أبيح لهم إلى ما حُظر عليهم، فبيَّن تعالى أن كثيراً منهم بعد مجيء رسلهم بالبينات يخلون بالعدالة وما شرع لهم وأبعدوا في التعدي. انتهى انتهى. {تفسير الراغب الأصفهاني حـ 4 صـ 322 - 334} .