وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص ، وقال الشعبي ، وعطاء ، وطاوس ، وعمرو بن دينار ، والحارث العكلي ، وابن أبي ليلى ، وحماد بن أبي سليمان ، والزهري ، والثوري ، تجب الدية على عاقلة المقتص له.
وقال ابن مسود ، وإبراهيم النخعي ، والحكم بن عتيبة ، وعثمان البتي ، يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة ، ويجب الباقي في ماله ، قاله ابن كثير.
والحقّ أن سراية القود غير مضمونة ، لأن من قتله القود ، قتله الحق ، كما روي عن أبي بكر ، وعمر ، وغيرها ، بخلاف سراية الجناية ، فهي مضمونة ، والفرق بينهما ظاهر جداً.
واعلم أنه لا تؤخذ عين ، ولا أذن ، ولا يد يسرى بيمنى ، ولا عكس ذلك ، لوجوب اتحاد المحل في القصاص ، وحكي عن ابن سيرين ، وشريك أنهما قالا بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى ، والأول قول أكثر أهل العلم.
واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه ، فإن اقتص منه قبل الاندمال ، ثم زاد جرحه ، فلا شيء له.
والدليل على ذلك ، ما رواه الإمام أحمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته ، فجاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فقال:"أقدني ، فقال:"حتى تبرأ"، ثم جاء إليه ، فقال: أقدني ، فأقاده ، فقال: يا رسول الله عرجت ، فقال:"قد نهيتك قعصيتني ، فأبعدك الله وبطل عرجك"، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه ، تفرَّد به أحمد ، قاله ابن كثير."
وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء ، وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفاً ، أن سراية الجناية بعد القصاص هدر ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي: ليست هدراً ، بل هي مضمونة ، والحديث حجة عليهما ، رحمهما الله تعالى ، ووجهه ظاهر ، لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله ، فأبطل الشارع حقه.
وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم.