وكانت العرب في جاهليتها تستقسم بالأزلام: وهي عبارة عن قداح ثلاثة مكتوب على أحدها: افعل، وعلى الآخر لا تفعل، والثالث فارغ ليس عليه شيء، توضع هذه القداح في كيس فمن أراد أمرا مهمّا مدّ يده إلى الكيس، فأجال القداح ثم أخرج أحدها من غير أن ينظر، فإذا طلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد.
وقد حرّم الله ذلك لما في تعاطيه من الفسق، والغي، والضلالة، والجهالة، والشرك.
وبدلا من ذلك فقد أمر الله المؤمنين إذا تردّدوا في أمورهم أن يستخيروه، بأن يتعبدوا له بصلاة الاستخارة ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه.
وبعد أن بين الله - عزّ وجل - ما حرّم علينا، وبعد أن بيّن ما بيّن من معالم الإسلام فيما مضى، مما أصبح به الصف الإيماني متميّزا مستعصيا على الكفر وأهله، فقد أمر الله عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، وألا يخافوا أحدا إلّا الله. فإنهم إن لم
يخافوا أحدا في مخالفتهم الكافرين ينصرهم الله عليهم، ويؤيّدهم ويشف صدورهم. وفي هذا السياق وفي هذا المقام ذكّر الله - عزّ وجل - هذه الأمة بأكبر نعمة عليها حيث أكمل لها دينها، فلا تحتاج إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجنّ، فلا حلال إلا ما أحلّه. ولا حرام إلا ما حرّمه.
ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حقّ وصدق لا كذب فيه ولا خلف.
وكما أكمل الله - عزّ وجل - لهم الدين بما أنزله من وحي، فقد أتمّ عليهم النعمة بهذا الإسلام، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، فإنه قد أتمّه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا، فليرض المسلمون لأنفسهم ولأمتهم وللبشر ما رضيه الله لهم، فإنّه الدّين الذي أحبّه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرّسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.