وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي الْخَلْقِ، وَفَرْضًا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ عَلَى الْكِفَايَةِ، مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَرْضُهُ؛ وَأَخَصُّ الْخَلْقِ بِهِ الْأَقْرَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنْ الْجِيرَةِ، ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَهُوَ حَقٌّ فِي الْكَافِرِ أَيْضًا، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: رَوَى نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ، فَمَنْ يُوَارِيهِ؟ قَالَ: اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاك، وَلَا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتَّى تَأْتِيَنِي.
فَوَارَيْته، ثُمَّ جِئْت، فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ وَدَعَا لِي.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ؛ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى: {فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ} : وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَحْكَامِ هَاهُنَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأُصُولِ؛ لَكِنَّا نُشِيرُ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الْقُلُوبِ بِهَا، فَنَقُولُ: مِنْ الْغَرِيبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَدِمَ وَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {النَّدَمُ تَوْبَةٌ} .
قُلْنَا: عَنْ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَدِيثُ لَيْسَ يَصِحُّ، لَكِنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَكُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سَلِمَ، لَكِنَّ النَّدَمَ لَهُ شُرُوطٌ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بِشُرُوطِهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُقْبَلْ.
الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ نَدَمُهُ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ النَّدَمُ إذَا اسْتَمَرَّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَاضِي إنَّمَا يَنْفَعُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى أَلَّا يَفْعَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ}