وجاء في الاختيار القرآني لارادة معنى الإدخال في القبر أو ما يقاربه مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ
يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. وغاية ما في (يدسه) من إيثار دلالي هو الخفاء،أي أنَّ الداس يجنح إلى هذا العمل في خفية من القوم طمعا في رفع ما يتوهمه سخرية وازدراء.
وينماز (يدس) في الدلالة على أنَّ المدسوس يغرس في التراب غرسا من دون أن يحفر له في حركة سريعة خاطفة، فيتضمن (يدسه) الدلالة على القتل والمواراة، أو هو القتل دسا في التراب.
(زُرتم)
الأصل في (زَوَرَ) الميل والاعوجاج. فقد زار القوم زيارة إذا عدل عن غيرهم ومال وظهر إليهم.
ولم يأت اللفظ بمعنى الزيارة إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ - حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ} . وفي (زرتم) أقوال ثلاثة: الأول أنها الزيارة على المعنى الحقيقي، أي آنَّ المتكاثرين قد ذهبوا إلى القبور يعدون موتاهم، والثاني أنها على المجاز أُيريد بها ذكر الموتى وعدهم عند التكاثر والمفاخرة، والثالث أنَّ زيادة المقابر تعنى الموت وهو أعلى الأقوال وأولاها.
ويعطي (زرتم) على المعنيين الأول والثاني تهكما بهم، على انه ملحوظ فيه حسن الحياة، فيكون التعبير به في هذا السياق على درجة كبرى من الجمال والأعجاز، فكأن هؤلاء المتكاثرين يحسون موتاهم أحياء، أو يظهرونهم أحياء، وهذا يتناسب مع التفاخر بهم وعدهم عند التكاثر، فجاء اختيار (زرتم) ليؤشر هذه الدقيقة، فكان اختيارا رائعا، بل أروع اختيار عرفه الذوق اللغوي في حدود هذا الحقل.