وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: قَدْ تَكُونُ {مِنْ} فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ وَنَصْبٍ؛ وَأَمَّا الْخَفْضُ فَعَلَى قَوْلِكَ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ , فَتَكُونُ النَّجْوَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هُمُ الرِّجَالُ الْمُنَاجُونَ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} وَكَمَا قَالَ: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} وَأَمَّا النَّصَبُ , فَعَلَى أَنْ تَجْعَلَ النَّجْوَى فِعْلًا فَيَكُونَ نَصْبًا؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا , لِأَنَّهُ مِنْ خِلَافِ النَّجْوَى , فَيَكُونُ
ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُها ... عَيَّتْ جَوَابًا ومَا بِالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ
إِلَّا الْأَوَارِيُّ لَايًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلومَةِ الْجَلَدِ
وَقَدْ يَحْتَمِلُ {مِنْ} عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أُنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , أَنْ تَجْعَلَ مِنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالرَّدِّ عَلَى النَّجْوَى , وَتَكُونَ النَّجْوَى بِمَعْنَى جَمْعِ الْمُتَنَاجِينَ , خَرَجَ مَخْرَجَ السَّكْرَى وَالْجَرْحَى وَالْمَرْضَى , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ , فَيَكُونَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَنَاجِينَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ النَّاسِ , إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ , أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ , فَإِنَّ أُولَئِكَ فِيهِمُ الْخَيْرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) }
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} وَمَنْ يُبَايِنِ الرَّسُولَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَادِيًا لَهُ , فَيُفَارِقَهُ عَلَى الْعَدَاوَةِ لَهُ {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى}
يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ , وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.