ومتى راهق الصبي أو بلغ استقل بنفسه في التأدب بالآداب الشرعية، وطلب العلم على الشيوخ المرضية، ووضع كل شيء في محله، ولا يدع تعاهده الأب أو الولي في هذه الحالة، بل يراقبه، فإن بلغ صالحاً لدينه ودنياه كان رشيداً، فتصح معاملاته من البيع والشراء، والسَّلَم، والإجارة، وغير ذلك، وإذا بلغ فعلى وليه أن يعرِّفه، وعليه أن يتعرف أنه قد صار مكلفاً؛ أي: مخاطباً بالأحكام الشرعية، موعوداً بالثواب على طاعاته، والعتاب أو العقاب] على مخالفاته، وفي هذه الحالة يكون شاباً يحسن منه التشبه بالكهول والشيوخ الكُمَّل، ويبلغ أشده، ويستوفي شبابه ببلوغ ثمان وعشرين سنة.
وقال النووي في"شرح مسلم"في كتاب النكاح: الشاب عند أصحابنا هو من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة.
وينتهي ببلوغ أربعين سنة، فينبغي أن يشغل نفسه بالطاعات من
الصلاة والصيام، والحج، والعمرة، والتلاوة، وقيام الليل، وقضاء حوائج الناس - ولاسيما الضعفاء والشيوخ - وليكرم الأكابر وذوي الأسنان، ويوقرهم، ويرحم الأصاغير - ولاسيما الأيتام والمساكين والأرامل - ويحسن إليهم، وإلى الجيران والإخوان، وَيعْرِف لهم حقوقهم.
روى الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما أَكْرَمَ شابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إِلاَّ قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ".
وروى الدينوري عن الحسن رحمه الله تعالى قال: من أحسن عبادة ربه في شبيبته لقاه الله الحكمة عند كبر سنه، وذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [سورة القصص: 14] .
وروى أبو نعيم عن شريح القاضي رحمه الله تعالى قال: حدثني البدريون - منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما مِنْ شابٍّ يَدَعُ لَذَّةَ الدُّنْيا وَشَهْوَتَها، وَيَسْتَقْبِلُ بِشَبابِهِ طاعَةَ اللهِ تَعالَى إِلاَّ أَعْطاهُ اللهُ - عز وجل - أَجْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صِدِّيقاً".
ثم قال:"يَقُولُ اللهُ تَعالَى: يا أَيُّها الشَّابُّ التَّارِكُ شَهْوَتَهُ لِي! أَنْتَ"