ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمجِّسَانِهِ كَما تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، فَهَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا".
ثم قرأ أبو هريرة: {فِطرَتَ اللهِ الّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] الآية، متفق عليه.
فجمع النبيّ عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغيروا الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة.
ثم قال: {يعدهم ويمنيهم} فوعده ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرك، وتنال من الدنيا إربك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك، ويطول أمله، ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه، ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها، والفرق بين وعده وتمنيته أن الوعد في الخير والتمنية في الطلب والإرادة، فيعده الباطل الذي لا حقيقة له - وهو الغرور - ويمنيه المحال الذي لا حاصل له. ومن تأمل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلقين بوعده وتمنيه وهم لا يشعرون أنه يعد الباطل، ويمنى المحال، والنفس المهينة التي لا قدر لها تغتذى بوعده وتمنيته، كما قال القائل:
مُنًى إنْ تَكُنْ حَقا تَكُنْ أحْسَنَ المُنَى ... وَإِلا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْدا
فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانى الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها، كما يفرح بها النساء والصيبان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيه، فإن الشيطان يمنى أصحابها الظفر بالحق وإدراكه، ويعدهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مبطل فله نصيب من قوله: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُوراً} .
[فَصْلٌ: الذُّنُوبُ تُدْخِلُ الْعَبْدَ تَحْتَ لَعْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]