وقيل: هو تغيير الإنسان بالاستلحاق أو النفي.
وقيل: خضاب الشيب بالسواد.
وقيل: معاقبة الولاة بعض الجناة بقطع الآذان ، وشق المناخر ، وكل العيون ، وقطع الأنثيين.
ومن فسر بالوشم أو الخصاء أو غير ذلك مما هو خاص في التغيير ، فإنما ذلك على جهة التمثيل لا الحصر.
وفي حديث عياض المجاشعي:"وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإن الشياطين ألهتهم وأحالتهم عن دينهم ، فحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي".
ومفعول أمر الثاني محذوف أي: ولآمرنهم بالتبتيك فيبتكن ، ولآمرنهم بالتغير فليغيرن.
وحذف لدلالة ما بعده عليه.
وقرأ أبو عمرو: ولآمرنهم بغير ألف ، كذا قاله ابن عطية.
وقرأ أبي: وأضلنهم وأمنينهم وآمرنهم انتهى.
فتكون جملاً مقولة ، لا مقسماً عليها.
وجاء ترتيب هذه الجمل المقسم عليها في غاية من الفصاحة ، بدأ أولاً باستخلاص الشيطان نصيباً منهم واصطفائه إياهم ، ثم ثانياً بإضلالهم وهو عبارة عما يحصل في عقائدهم من الكفر ، ثم ثالثاً بتمنيتهم الأماني الكواذب والإطماعات الفارغة ، ثم رابعاً بتبتيك آذان الأنعام ، هو حكم لم يأذن الله فيه ، ثم خامساً بتغيير خلق الله وهو شامل للتبتيك وغيره من الأحكام التي شرعها لهم.
وإنما بدأ بالأمر بالتبتيك وإن كان مندرجاً تحت عموم التغيير ، ليكون ذلك استدراجاً لما يكون بعده من التغيير العام ، واستيضاحاً من إبليس طواعيتهم في أول شيء يلقيه إليهم ، فيعلم بذلك قبولهم له.
فإذا قبلوا ذلك أمرهم بجميع التغييرات التي يريدها منهم ، كما يفعل الإنسان بمن يقصد خداعه: يأمره أولاً بشيء سهل ، فإذا رآه قد قبل ما ألقاه إليه من ذلك أمره بجميع ما يريد منه.
وإقسام إبليس على هذه الأشياء ليفعلنها يقتضي علم ذلك ، وأنها تقع إمّا لقوله تعالى.