ثم قال تقي الدين رحمه الله (بعد ثلاثة أوراق) : ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع ، فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين ، وهذا لا نزاع فيه ، أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين ، وهي متابعة الرسول ، وهذا لا نزاع فيه ، أو إن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة ، وهذا لا نزاع فيه ، فهذا ونحوه قول من يقول: لا تدل على محل النزاع ، وآخرون يقولون: بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقاً ، وتكلفوا لذلك ما تكلفوه ، كما قد عرف كلامهم ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك بأجوبة شافية ، والقول الثالث الوسط: إنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم ، ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا ، كما تقدم ، لكن لا ينفي تلازمهما ، كما ذكر في طاعة الله والرسول ، وحينئذ يقول: الذم إما أن يكون حقاً لمشاقة الرسول فقط ، أو باتباع غير سبيلهم فقط ، أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما ، بل بهما إذا اجتمعا ، أو لحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر ، أو بكل منهما لكونه مستلزماً للآخر ، والأولان باطلان ، لأنه لو كان المؤثر بأحدهما فقط ، كان ذكر الآخر ضائعاً لا فائدة فيه ، وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعاً ، فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه ، ولحوق الذم بكل منها وإن انفرد عن الآخر لا تدل عليه الآية ، فإن الوعيد فها إنما هو على المجموع ، بقي القسم الآخر ، وهو أن كلاً من الوصفين يقتضي الوعيد ، لأنه مستلزم للآخر ، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام ، فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار ، ومثله قوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلّ ضَلاَلاً بَعِيداً} فإن الكفر