والثاني: النَّصْب على الاستِثْناء [كما تقول:"مَا جَاءني أحَدٌ إلا زَيْدٌ ، على الاستثناء ؛] لأنَّ هذا استِثْنَاء الجِنْس من الجِنْس وإن جعلنا النَّجْوى بِمَعنى: المُتناجين ، كان مُتَّصِلاً ، وقد عَرَفْتَ مِمَّا تقدَّم أن المنقطع مَنْصُوبٌ أبداً في لغة الحِجاز ، وأنَّ بَنِي تَمِيم يُجرونه مُجْرى المُتَّصِل ، بشرط توجُّه العَامِل عليه ، وأنَّ الكَلاَمَ إذا كان نفياً أو شبهه ، جاز في المُسْتَثْنَى الإتباعُ بدلاً ، وهو المختار ، والنَّصْبُ على أصْل الاستِثْنَاء ، فقوله"إلا مَنْ أمَر": إما مَنصُوبٌ على الاستِثْنَاء المُنْقَطِع ، إنْ جَعَلْتَه مُنْقطعاً في لغة الحِجَاز ، أو على أصْلِ الاستِثْنَاء إن جعلته مُتَّصلاً ، وإمَّا مَجْرورٌ على البَدَلِ من"كثير"، أو من"نجواهم"، أو صِفَةٌ لحدهما ؛ كما تقُول:"لا تَمُرُّ بجماعة من القَوْم إلا زيد"إنْ [شئت] جَعلْتَ زَيْداً تَابِعاً للجماعةِ أو للقوم ، ولم يجعله الزَّمَخْشَرِي تَابِعاً إلا"لِكَثير"قال: إلا نَجْوَى مَنْ أمَر ، على أنَّه مَجْرورٌ بَدَلٌ من"كَثِيرٍ"؛ كما تقُولُ:"لا خير في قِيامهم إلا قيام زيدٍ"وفي التَّنْظِير بالمثال نظرٌ لا تَخْفَى مباينته للآية ، هذا كُلُّه إن جعلنا الاستِثْناء مُتصِلاً بالتَّأويلين المَذْكُورين ، أو مُنْقَطِعاً على لغة تميم ، وتلخَّص فيه سِتَّة أوْجُه: النَّصبُ على الانقطاع في لغة الحجاز ، أو على أصْلِ الاستثناءِ ، والجرُّ على البَدَل من"كَثِير"، أو من"نَجْوَاهُم"، أو على الصِّفَةِ لأحدهما."
و"مِنْ نَجْوَاهُمْ"متعلقٌ بمحذُوفٍ ؛ لأنه صِفَةٌ لـ"كثير"في مَحَلِّ جَر.