على النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: السام عليكم ، يوهمون أنهم يقولون:
السلام عليكم ، فأنزل الله ذلك ، واستدل قائل هذا بقوله تعالى
بعد ذلك: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) .
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا)
قال السدي: المقيت: المقتدر ، وأنشد الكسائي فيه:
... ... ... ... ... ... ... ... وكنت على مساءته مقيتا
وقال ابن عباس: الحفيظ ، وقوّاه الرجّاج.
وقال مجاهد: الشهيد ، ورُوِيَ عنه: الحسيب ،
وقال الضحاك: الرازق.
وقال غيرهم: المجازي ، وحقيقته الذي يجعل للإِنسان قوتًا.
وفي الحديث:"كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت"
-ويقيت - كأن الله تعالى يجعل لكل إنسان قوتا من
الجزاء بقدر فعله ، ويجعل له في الدنيا والآخرة قدر ما يستوجبه.
وما قالوه فصحيح من حيث المقصد ، لأن ما قدّره الله
تعالى للعبد فقد حفظه وشهده.
ورُوِيَ أن رجلًا سأل عبد الله بن رواحة عن المقيت ؟
فقال: يقيت كل إنسان بقدر علمه.
كأنه إشارة إلى ما قال عليه الصلاة والسلام:
"إن الله يحاسب عباده بقدر عقولهم".
قوله عز وجل: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا(86)
التحية: من قولهم حيَّا الله فلانًا ، أي جعل له حياة ، وذلك
إخبار ، ثم يُجعل دعاء ، ثم يقال: وحيَّا فلان فلانًا إذا قال له
ذلك ، وحكم به ، كما يقال: أضللت فلانًا وأرشدته إذا
حكمت له بذلك ، وأصل التحية من الحياة ، ثم يقال لكل دعاء
تحية ، لكون جميعه غير خارج عن كونه حياة ، أو سبب حياة.
إما دنيوية وإما أخروية.
إن قيل: علي أي وجه
جعل قولهم: السلام تحية الملتقين ؟
قيل: السلام والسِّلم واحد ، بدلالة قوله: (فَقَالُوْا سَلَامًا قَالَ سِلْم) (1)
ولما كان الملتقيان من الأجانب قد حذر أحدهما الآخر استعملوا هذه
اللفظة تنبيهًا من المخاطب ، أي بذلت لك ذلك وطلبته منك.
ونبه المجيب إذا قال: وعليك السلام. على نحو ذلك ، ثم صار
ذلك مستعملًا في الأجانب والأقارب والأعادي والأحباب ، تنبيهًا
أني أسأل الله ذلك لك ، وأكثر المفسرين حملوا الآية على التحية
المجردة ، فقالوا معناه: من حيّاكم بتحية فحيوا بأحسن منها أو
ردّوها أي قابلوه بمثلها ، قالوا: ورد ذلك أنه متى قال قائل:
السلام عليكم ، فإنه يقول: وعليكم السلام ، أو يقول:
وعليكم ، فهذا هو ردُّه ، ويدلّ أنه إذا قال: وعليكم. فقد رد ، أن
رجلًا دخل على عمر فقال: السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته ، فقال عمر: وعليكم ، فظن الرجل أنه لم يسمع عمر.
(1) هي قراءة حمزة والكسائي.