وتكون التحيّة أحسن بزيادة المعنى، فلذلك قالوا في قوله تعالى: {فقالوا سلاماً قال سلام} [الذاريات: 25] : أنّ تحية إبراهيم كانت أحسن إذ عُبِّر عنها بما هو أقوى في كلام العرب وهو رفع المصدر للدلالة على الثبات وتناسِي الحدوث المؤذن به نصب المصدر، وليس في لغة إبراهيم مثل ذلك ولكنّه من بديع الترجمة، ولذلك جاء في تحيّة الإسلام: السلام عليكم، وفي ردّها وعليكم السلام لأنّ تقديم الظرف فيه للاهتمام بضمير المخاطب.
وقال بعض الناس: إنّ الواو في ردّ السلام تفيد معنى الزيادة فلو كان المُسلِّم بلغ غاية التحية أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا قال الرادّ:"وعليكم السلام"الخ، كان قد ردّها بأحسن منها بزيادة الواو، وهذا وهم.
ومعنى (ردّوها) ردّوا مثلها، وهذا كقولهم: عندي درهم ونصفه، لظهور تعذّر ردّ ذات التحيّة، وقوله تعالى: {إن أمرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها} [النساء: 176] فعاد ضمير"وهو"وهاء"يرثها"إلى اللفظين لا إلى الذاتين، ودلّ الأمر على وجوب ردّ السلام، ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام، فذلك ثابت بالسنّة للترغيب فيه.
وقد ذكروا أنّ العرب كانوا لا يقدّمون اسم المسلَّم عليه المجرور بعَلى في ابتداء السلام إلاّ في الرثاء، في مثل قول عبدة بن الطيب:
عليك السلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
وفي قول الشمّاخ:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممّزق
يرثي عثمان بن عفّان أو عمَر بن الخطاب.
روى أبو داوود أنّ جابر بن سليم سلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال له:"إنّ عليك السلامُ تحيةُ الموتى، قل، السلام عليك". انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 4 صـ 207 - 208}