ذلك لأن العبد الذي سعى في قضاء حاجة أخيه يكون قد أدى حق نعمة الله فيما تفضل به عليه ، ويكون من أثر ذلك أنه لا يسخط أو يحقد غير الواجد للموهبة على ذي الموهبة. وبذلك فسبحانه يزيل الحقد من نفس غير الموهوب على ذي الموهبة ؛ فغير الموهوب يقول: إن موهبة فلان تنفعني أنا كذلك ، فيحبّ بقاءها عنده ونماءها لديه.
ويقول الحق: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} ثم يأتي الحق بالمقابل ، فهو سبحانه لا يشرع للأخيار فقط ، ولكنه يضع الترغيب للأخيار ويضع الترهيب للأشرار ، فيقول: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} .
ولنر المخالفة والفارق بين كلمة"النصيب"وكلمة"الكفل". كلمة"النصيب"تأتي بمعنى الخير كثيرا. فعندما يقول واحد: أنت لك في مالي نصيب.
هذا القول يصلح لأي نسبة من المال. أما كلمة"كفل"فهي جزء على قدر السيئة فقط. وهذا هو فضل من الله ، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، وهذا نصيب كبير. ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها.
وهذه الآية قد جاءت بعد تحريض الرسول للمؤمنين على القتال ، أي أنك يا رسول الله مُطالب بأن تضم لك أناساً يقاتلون معك ؛ فتلك شفاعة حسنة سوف ينالون منها نصيباً كبيرا وثوابا جزيلا.
أما قول الحق: {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} أي يكون له جزء منها ، أي يصيبه شؤم السيئة ، أما الجزاء الكبير على الحسنة فيدفع إلى إشاعة مواهب الناس لكل الناس. وما دامت مواهب الناس مشاعة لكل الناس فالمجتمع يكون متسانداً لا متعانداً ، ويصير الكل متعاوناً صافي القلب ، فساعة يرى واحد النعمة عند أخيه يقول:"سيأتي يوم يسعى لي فيه خير هذه النعمة".