قوله: خلعت بها عني عِذار لِجامي: فالعرب تقول: خلَع فلانٌ العِذارَ يريد: خَلَعَ الحَياء، مثل للشاب المُنْهمك في غَيِّه كما يخلع الفرسُ العِذارَ فيجمحُ ويطمحُ لأنّ اللِّجامَ يُمسكه، والعِذار: الذي يَضُمُّ حبلَ الخِطام إلى رأسِ البعير والناقةِ وعلى ذلك يكون معنى قوله: أنّه أسام سرح اللهو حيث أسام الغواة في هذا العمر المديد، ولعله يريد بذلك عدم التماسك كما بينه في البيت الثاني، وقوله: أنوءُ ثلاثاً يعني: أنه ينهض ثلاثَ مرات بانحناء ثم يستقيم، وبنات الدهر: نُوَبه.
(البقاء في الدنيا سبب الفناء)
قال سيّدُنا رسولُ الله: (لو لم يكسبِ ابنُ آدم إلا الصحةَ والسلامةَ لكفى بهما داءً) لأن السَّلامةَ تُسلمه إلى الهَرمِ وما يستتبعُه من الهَمِّ والسَّقم.
وقيل لأعرابي: كيف حالُك؟ فقال: ما حالُ مَنْ يَفْنى ببقائِه، ويَسْقمُ بسلامتِه، ويُؤْتى من مأمنِه! وقال حُمَيْدُ بن ثَوْرٍ الهلالي - وهو شاعرٌ إسلامي ترجم له أبو الفرج في الجزء الرابع من أغانيه -:
أرَى بَصَري قَدْ رابَني بَعدَ صِحَّةٍ ... وحَسْبُكَ داءً أنْ تَصِحَّ وتَسْلَما
ولا يَلبَثُ العَصْران: يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلبَا أنْ يُدْرِكا ما تيَمَّما
وقال أبو حيّة النّميري - من شعراء الدّولتين -:
ألا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المغَانِيا ... لَبِسْنَ البِلَى مِمّا لَبِسْن اللّيالِيا
إذا ما تَقاضَى المَرْء يومٌ وليلةٌ ... تَقاضاهُ شَيءٌ لا يَمَلُّ التَّقاضِيا
وقال بعضُ شعراءِ الجاهلية - وقيل: القائل عبد الرحمن بن سُويدٍ المُرِّي -:
كانَتْ قَناتِي لا تَلينُ لِغامِزٍ ... فأَلانَها الإصْباحُ والإمْساءُ
ودَعَوْتُ رَبِّي في السَّلامَةِ جاهِداً ... لِيُصِحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
كانت قناتي لا تلينُ لغامزٍ: من الغَمْز، وهو العَصْرُ باليد وهو مثلٌ يريد: أنه كان صُلْبَ العودِ شديدَ القوَّة على من يشتدّ ويجترئ عليه وقال النَّمِرُ بن تَوْلَب - شاعر جاهلي إسلامي، وفد على سيّدنا رسول الله وحَسُنَ إسلامُه، ومن قولِه: صُوْمُ شهرِ الصَّبْرِ، وصومُ ثلاثةِ أيّامٍ يُذهبن كثيراً من وَحَرِ الصَّدر - قال:
تَدارَكُ ما قَبْلَ الشّبابِ وبَعْدَه ... حَوادِثُ أيّامٍ تَمُرُّ وأغْفُلُ
يَسُرُّ الفتى طُولُ السّلامةِ والبَقَا ... فكيف يَرى طولَ السّلامةِ يَفْعَلُ
يَرُدُّ الفتى بَعدَ اعْتِدالٍ وصِحَّةٍ ... ينُوءُ إذا رامَ القيامَ ويُحْمَلُ