وقول الحق: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى} يوضح لنا عظمة الصفقة الإيمانية ، وبعد ذلك يؤكد لنا العدل في قوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ونعرف أن الفتيل هو ما فُتل من الأقذار حينما يدعك الإنسان كفيه معاً ، فيخرج ناتجا كالفتلة ، أو الفتيل هو الفتلة في بطن النواة ، أي لا نظلم حتى في الشيء التافه. والعدالة هنا بمشروطها ؛ لأن الله أوضح أن من يصنع السيئة يجازي بسيئة مثلها ، ومن يصنع حسنة يجازي بعشرة أمثالها أو أكثر.
وهكذا لا ترهق العدالة مؤمناً لأنها تأتي بفضلها ، فالحسنة بعشر أمثالها أو أكثر ، وتحسب الحسنة عند الله في ميزان العدالة بما أخذ من الفضل ، فلا يقولن واحد: إن هناك عدلاً من الله بدون فضل.
إذن فقول الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} هو بضميمة الفضل إلى العدل. ولذلك نحن ندعو الله قائلين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ؛ لأن مجرد العدل قد يتعبنا. وندعو الله: وبالإحسان لا بالميزان ؛ لأنه لو عاملنا بالميزان قد نتعب.
وندعو الله: وبالجبر لا بالحساب ، والجبر هو أن يجبرنا الله ، وهكذا نرى أن قوله الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} بلاغ من الحق لنا: أننا سنعدل معكم بالفضل فتكون السيئة بواحدة ، وتكون الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر.
وقوله الحق: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} يعين فيما قضي به سبحانه متفضلاً بالفضل مع العدل. وسبحانه يريد أن يطمئننا على أن قضايا الإيمان يجب أن يحافظ عليها ، فإياك أن تظن أن عملك هو الذي سيعطيك الجزاء ، إنما فضل الله هو الذي سيعطيك الجزاء. يقول الحق:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] .