وبعد ذلك تأتي موقعة"بدر"فتُثْبِت له صدق هذا ، والعجيب أن الآية تنزل وهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم ، فلا يمكن أن يقال: إن هناك مقدمات لذلك بحيث تستنتج النتيجة ؛ فالمقدمات لا توحي بأي نصر ، لكن ربنا هو الذي قال ، ورأوا صحيحاً أن الوليد بن المغيرة ضرُب على أنفه وتركت الضربة علامة على أنفه ؛ لأن الذي قال ذلك من قبل قادر على إنفاذ ما يقول بدون قوة تحول دون ذلك أبداً ، وهذا يدلنا على اختبار المبادئ.
إنك تجد أنّ الذي يؤمن بالمبادئ هو الذي يضحي أولاً ، يدفع ماله وقد يدفع دياره ، بأن يخرج منها ، وقد يدفع نفسه فيقتل ، كل ذلك من أجل المبدأ ، لكن الأمر يختلف مع المبادئ الباطلة ؛ فقبل أن يدخلها واحد نجده يأخذ الثمن. ومن يروجون للمبادئ الباطلة يقولون لمن يغررون به: خذا مالاً وعش واستمتع ، واشتر أحسن الثياب.
أما أصحاب مبدأ الحق فهم الفقراء الذين يدفعون الثمن ، ولهم الحق أن يدفعوا الثمن لأن المثمن غال ، لكن في الباطل لا يعرفون مثمناً. والذي ينظر لمبدأ من المبادئ الهدامة ، يرى كيف يعيش قادتها ، بينما الرعية تحيا في بؤس ، فيقول: أنا آخذ الثمن مقدماً ؛ والأمر يختلف مع المؤمنين ، فهم الذين يدفعون الثمن. لينعموا بالجزاء في الآخرة.
والحق سبحانه وتعالى حين يشرع القتال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشرعه أولا دفاعا ، كانوا يطلبون من رسول الله ، يقولون: يا رسول الله ، إئذن لنا نقاتل على قدر جهدنا ، فيقول:"اصبروا فإني لم أومر بالقتال".
وبعد ذلك يؤمر بالقتال كي يدافع عن الخلية الإيمانية بعدما ذهبوا إلى المدينة ، ونعلم أن القتال عملية ضرورية في الحياة. فالحق سبحانه هو القائل:
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] .
وهو القائل: