{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ كَثِيراً} [الحج: 40] .
إذن فدفع الله بعض الخلق بالخلق أمر ضروري واقعي.
وحين يعاب على الإسلام أمر القتال ، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع هذا القتال فقد شرعه لأن قوى البغي هي التي تحول دون تطبيق منهج من مناهج العدالة المعروفة ، ولا يستطيع أحد أن يجادل فيها. ولو لم يكن العدل قادمً من السماء لما كان هناك منهج صالح يحكم الناس ، فإذا أراد الله أن يصنع العدل بمنهج أنزله هو ، فلماذا يأتي من يقف في الطريق ويقول للرسول: أنت جئت لكي ترغم الناس أن يؤمنوا بمنهجك ؟!
ويوضح الحق مسيرة الرسول أنه جاء لكي يثبت كرامة الإنسان فهو سيد الأجناس التي تحيط به ، فالجماد مسخر ، والنبات مسخر ، والحيوان مسخر ، وليس لأي منهم حرية في أن يقول: افعل ولا تفعل ، فلا توجد إرادة ولا اختيار عند كل الأجناس إلا عند الإنسان ؛ فالحق هو القائل عن أمانة الاختيار.
{فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72] .
إذن فبأي شيء تميز الإنسان على هؤلاء الأجناس ؟ تميز عليهم بالعقل ، ومهمة العقل أن يختار بين البديلات ، أما إذا كان هناك أمر ليس له بديل ، فليس للعقل عمل فيه.
ومثال ذلك: هناك مكان نريد أن نذهب إليه ، فيوضح لك إنسان: لا يوجد إلا هذا الطريق ، فهل تفكر أن تذهب عن طريق آخر ؟ طبعا لا ، إذن فالعقل لا عمل له إلا الاختيار بين البديلات ، فإن لم يكن هناك بديل فلا عمل له. وإذا أراد العقل أن يختار بين البديلات ألا نضمن له حرية الاختيار أم نقيد حرية الاختيار لديه ؟
إنك إن قيدت حرية الاختيار بالإكراه فقد أخذت النعمة التي أعطيتها له ، وجعلته مقهوراً مسخراً مكرهاً ؛ ولذلك فالمكره لا يكون له حكم على الأشياء بل هو مجبر ومسخر.