لقد جاء الإسلام وآمن به الضعاف الذين لا يملكون أن يقاتلوا ، فلم يكن باستطاعتهم أن يحموا حتى أنفسهم ؛ ذلك حتى نعرف أن الحق ساعة يأتي ، يأتي عادة لا من قوي بل يأتي من ضعيف تعب كثيراً كي يثبت الإيمان ، والإسلام نادى ودعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لكنه لم ينتصر كدين ولم يسطع إلا من المدينة. فمكة بلد محمد وفيها قبيلته قريش التي ألفت السيادة على الجزيرة كلها ولا أحد يستطيع أن يقرب منها بعدوان ، ولم تكن هناك قوة تستطيع أن تعترض قوافلها بالتجارة إلى الجنوب أو إلى الشمال.
إن أي قبيلة تخاف أن تتعرض لها في الطريق ؛ لأن القبائل ستأتي إلى قريش في موسم الحج ، وتخاف كل قبيلة من انتقام قريش ، فلو أن الإسلام الذي صاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم انتصر في مكة ربما قالوا: قبيلة عشقت السيادة ، ودانت لها أمة العرب فما المانع من أن تطمح في أن يدين لها العالم كله ؟
وأراد الحق أن تكون قريش هي أول من يضطهد رسول الله ويحاربه ، والضعاف هم الذين يتبعونه ، وبعد ذلك يأتي النصر لدين الله من مكان بعيد عن مكة من"المدينة"لتشهد الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد ، ولم تخلق العصبية لمحمد الإيمان بمحمد ، وها هوذا سيدنا عمر كان يسمع قول الله سبحانه:
{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] .
فيقول: أي جمع هذا ونحن لا نقدر أن نحمي أنفسنا ؟ ويقول الحق:
{سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 16] .
فيقول عمر: كيف ونحن لا نقدر أن ندافع عن أنفسنا ؟