ووصف كتاب الله بمنتهى الدقة، وبصيغة بالغة التأثير تثير المشاعر، الحالة النفسية القلقة لأولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان المعذبين من أجل عقيدة الإيمان، وما هم عليه من تبرم بنوع الحياة الجهنمية التي يتحملونها بمكة، وما يتوجهون به إلى الله صباح مساء من دعاء خاشع وابتهال صادق، ليعينهم على الخلاص من ربقة الشرك، والخروج من القرية الظالم أهلها إلى المدينة التي آمن أهلها، أملا في اللحاق بالرسول وصحبه من المهاجرين والأنصار، وذلك قوله تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .
وفي هذا السياق بين كتاب الله الفرق الجوهري والأساسي بين جهاد المؤمنين وقتال الكافرين، فالجهاد الذي فرضه الإسلام
ليس من أجل السيطرة والاستغلال، ولا من أجل الاستعباد والإذلال، وإنما هو من أجل نصرة الحق وبسط العدل، وبث الخير والمعروف بين الناس، وهو في النهاية لإقامة دين الله، وإعلاء كلمته في الأرض على من سواه.
وعلى العكس من ذلك القتال الذي يقوم به الكافرون، فهو من أجل تدعيم العدوان، ومساندة الطغيان واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وهو في النهاية للدفاع عن عبادة الأصنام والأوثان، وسدنتها من السحرة والكهان، وذلك ما تشير إليه في إيجاز وإعجاز هذه الآية الكريمة: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} .
ثم حرض كتاب الله المؤمنين على قتال الكافرين لوضع حد لعدوانهم، وفرض احترام الإسلام عليهم، وتمكين هيبته في نفوسهم، ونشر دعوتهم بكل حرية في أوساطهم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.