وبعدما وصف كتاب الله ما عليه المذبذبون والمنافقون من غريب الأطوار والأحوال، وما يبيتونه في نفوسهم ويجري على ألسنتهم من سخيف الأقوال، وما يغلب عليهم من ميل إلى التمرد والخلاف، بدلا من التزام الطاعة والتمسك بالائتلاف، اتجه الخطاب الإلهي رأسا إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه في نفس السياق إلى القيام بواجب الجهاد الذي كلفه الله به، وألقاه على عاتقه قبل كل الناس، ليبادر إلى أدائه، دون أن ينظر إلى أي اعتبار آخر، وآمرا له في نفس الوقت بأن يحض المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، بغض النظر عن تخاذل المتخاذلين، وتثبيط المثبطين، وتراجع ضعفاء النفوس العاجزين، مبينا لرسوله والمؤمنين أن هدف الجهاد في سبيل الله إنما هو كف أذى الكافرين عن المؤمنين، وخضد شوكة المشركين وذلك قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} .
ونظرا لأن الهدف الأساسي من القتال في سبيل الله هو تحرير
الفرد المسلم حتى لا يفتن في دينه، وتحرير الجماعة المسلمة حتى لا تفتن في دينها اختار كتاب الله أن يبرز هذا الهدف بشكل قوي، حتى تلتفت إليه جميع النظار، فجعله في مطلع هذا الربع منذ البداية، لأنه هو المقصد والغاية، وما يتبعه ويليه إنما هو وسيلة إليه، وذلك قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} .
فاستثار كتاب الله حمية المسلمين، لإنقاذ إخوانهم المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة من مكة إلى المدينة بجانب بقية المهاجرين، ممن أصبحوا مغلوبين فيها على أمرهم، معرضين لسائر صنوف الأذى من طرف المشركين.