ويبدو أن ما ذكرناه سابقا من تحاكم بعض المنافقين إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء في البخاري من تخاصم الزبير مع الرجل الأنصارى يبدو أن هذه الحوادث قد حدثت في زمن متقارب فنزلت الآيات لبيان وجوب التحاكم إلى شريعه الله دون سواها.
والمتأمل في الآية الكريمة يراها قد بينت أن المؤمن لا يكون إيمانه تاما إلا إذا توفرت فيه صفات ثلاث:
أولها: أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وإلى شريعته بعد وفاته.
وثانيها: أن يتقبل حكم الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم برضا وطيب خاطر، وأن يوقن إيقانا تاما بأن ما يقضى به هو الحق والعدل. قال - تعالى -: ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
وثالثها: أن يذعن لأحكام شريعة الله إذعانا تاما في مظهره وحسه. قال - تعالى - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً. أي يخضعوا خضوعا تاما.
فقوله - تعالى - ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ يمثل الانقياد الباطني والنفسي.
وقوله - تعالى - وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً يمثل الانقياد الظاهري والحسى.
وهكذا نرى الآية الكريمة تحذر المؤمنين من التحاكم إلى غير شريعة الله بأسلوب يبعث في النفوس الوجل والخشية، ويحملهم على الإذعان لأحكام الله - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، ورحمته بهم. فقال - تعالى -:
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ، ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً.
والمراد بقوله كَتَبْنا: فرضنا وأوجبنا.
والمراد (بقتل النفس) تعريضها للهلاك من غير أمل في النجاة، وقيل: المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد.
والمراد بالخروج من الديار: الهجرة في سبيل الله، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها استجابة لأمر الله.
قال الفخر الرازي: الضمير في قوله وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فيه قولان: