والشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل, وهو أقبح أنواع الشرك, كشرك فرعون إذ قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} وقال تعالى: مخبراً عنه أنه قال: لهامان {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} والشرك والتعطيل متلازمان, فكل معطل مشرك, لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل, بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته, ولكن عطل حق التوحيد, وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها: هو التعطيل, وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه, وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله, وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد, ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق, ولا هاهنا شيئان, بل الحق المنزه وهو عين الخلق المشبه, ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته, وأنه لم يكن معدوما أصلا, بل لم يزل ولا يزال, والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضيت إيجادها, ليسمونها العقول والنفوس, ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة, فلم يثبتوا اسما ولا صفة, بل جعلوا المخلوق أكمل منه, إذا كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
فصل
النوع الثاني شرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته كشرك النصارى الذي جعلوه ثلاثة, فجعلوا المسيح إلها, وأمه إلها.
ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلي النور, وحوادث الشر إلى الظلمة.
ومن هذا شرك القدرية القائلين بان الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه, وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته, ولهذا كانوا من أشباه المجوس.