ويجوز أن تكون الجملة مستأنَفة ، وقعت اعتراضاً بين قوارع أهل الكتاب ومواعظهم ، فيكون حرفُ (إنَّ) لتوكيد الخبر لقصد دفع احتمال المجاز أو المبالغة في الوَعيد ، وهو إمّا تمهيد لما بعده لتشنيع جرم الشرك بالله ليكون تمهيداً لتشنيع حال الذين فَضَّلوا الشرك على الإيمان ، وإظهاراً لمقدار التعجيب من شأنهم الآتي في قوله: {ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} [النساء: 51] ، أي فكيف ترضون بحال من لا يرضي الله عنه.
والمغفرة على هذا الوجه يصحّ حملها على معنى التجاوز الدنيوي ، وعلى معنى التجاوز في الآخرة على وجه الإجمال.
وإمّا أن يكون استئنافَ تعليممِ حكم في مغفرة ذنوب العصاة: ابتدئ بمُحْكَم وهو قوله: {لا يغفر أن يشرك به} ، وذُيِّل بمتشابه وهو قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ؛ فالمغفرة مراد منها التجاوز في الآخرة.
قال القرطبي"فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه"وهو يريد أنّ ظاهرها يقتضي أموراً مشكلة:
الأول: أنّ يقتضي أنّ الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود.
الثاني: أنّه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب.
الثالث: أنّه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته ، لأنّه وَكَل الغفران إلى المشيئة ، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء.
وكلّ هذه الثلاثة قد جاءت الأدلّة المتظافرة على خلافها ، واتّفقت الأمّة على مخالفة ظاهرها ، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين.
قال ابن عطية:"وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد."